المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : المربون الذين ثبتوا عند حافة السقوط !!


ذرة ضوء
11-05-2008, 12:08 AM
المربون الذين ثبتوا عند حافة السقوط !!



مضت ركائب الإسلام تنشر الدين وتقاتل من يعترضه في بلاد فارس ، ومن هناك جاء البشير إلى عمر بن الخطاب في المدينة المنورة فقال له : أبشر يا أمير المؤمنين بفتح أعز الله به الإسلام وأهله ، وأذل به الكفر وأهله .

فحمد الله أمير المؤمنين وقال له : النعمان بعثك ؟

قال البشير : احتسب النعمان يا أمير المؤمنين .( يعني أنه قد قتل )

فبكى عمر واسترجع وقال : ومن ويحك ؟ ( يسأله عن الشهداء )

قال : فلان وفلان ... وعد له ناسا استشهدوا في تلك المعارك ، وسكت قليلا - وكأني به في تلك اللحظات وقد أطرق برأسه ثم رفعه - فقال : وآخرين لا تعرفهم يا أمير المؤمنين !

فبكى عمر رضي الله عنه وقال : "وما يضيرهم ألا يعرفهم عمر ، ولكن الله يعرفهم " (1).

وقفت أمام هذه الكلمات العمرية وقوف الخاشع المتبتل ، والحكيم المتأمل ، وقد حركت في فؤادي مشاعر لا أكاد أستبين فصل القول فيها .

ما أجملها من كلمات ! وما أروع ما تحمله من معاني سامية ! معاني لو أخذت بها الأمم لتقدمت وحققت أهدافها ، ولو تأصلت في القلوب لرأيت عظيم النفع الذي يتركه أصحابها، إنها معاني العمل من أجل الله ، ومن أجل أن يراني الله ، ومن أجل أن يعرفني الله ، ومن أجل أن يرضى عني الله ، ما أجملها عندما تكون هذه الكلمة ( ولكن الله يعرفهم ) مبدأ يحملها السائر المخلص في طريق الحياة ، ويستصحبها في الزمان الذي كادت الأمانة أن تقبض من قلوب الناس ، أو قد قبضت ، وبالذات في مجال بناء النفوس وتهذيبها ، في مجال التربية والتعليم ، في تلك المنشآت التي حري بها أن تصنع الأجيال وتبنيها ، ثم تخرجها ركب الحياة ليكون على سواعدها بناء البلاد ونماؤها .

على مدى السنوات الماضية وتعليمنا ماض على قدم وساق ، في تطوير المناهج إضافة وحذفا ، تلوينا وترتيبا ، وفي تطوير المعلمين تدريبا ومتابعة ، وفي تطوير الأنظمة واللوائح صياغة وتهذيبا . ولكن يظل كل ذلك التطوير لا معنى له في الواقع ، ولا فائدة تعود على الطلاب منه ، مادام أن المعلم المتمكن علميا ، والمخلص دينا ؛ غائبا عن ذلك المشهد ، أو نادرا كالمعدن النفيس .

ولقد أحسن د.عبد الكريم بكار عندما قال : " إن صحة المناهج أمر ضروري وحيوي ، ولكن لا ينبغي أن يُظن أن تأثر الطلاب بها يفوق تأثرهم بسلوكيات مربيهم ، أو بوسائل الإعلام . وهذا يلقي على المربين مسؤولية كبرى ، ويدعوهم إلى التفكير في عواقب كل تصرف من تصرفاهم ، أو موقف من مواقفهم " (2) .

فمن هنا يظل المعدن النفيس نفيسا ، وأعني بهم أولئك النوادر الذين جعلوا التربية هما ، وأخلصوا جهدهم لله ، وعملوا في ظل التجاهل عما يقومون به من جهود تحت مبدأ ( ولكن الله يعرفنا ) . فتراهم يثبتون على مبادئهم كالجبال التي لا تزعزعها الرياح ، ولا تُحبط آمالهم عندما تنصرف الجوائز المادية وشهادات التقدير في مناسبات التكريم العامة إلى غيرهم من أصحاب النشاطات الشكلية . بينما تزل أقدام آخرين فيتوقفون عن العطاء بدعوى أنهم لا يكرمون ، ولا يقدر لهم عمل ..

أيها المربون العظماء ، أيها المعلمون الأخفياء ، أيها الصالحون الأتقياء ، يكفيكم أن تعلموا بأن للعمل إذا أريد به وجه الله لذة ، لا تعدلها لذة ورقة كتبت عليها عبارات الثناء ، ولا درع نقش عليه بريق التميز . ولا تظنون بأنكم تفردتم يتكبد المتاعب ويتحمل المشاق ، فالجميع يتعب ويكابد { لقد خلقنا الإنسان في كبد } (3) ولكن شتان بين الجهدين ، جهد لله وما مكافآت الدنيا إلا تبع غير مقصود ، وجهد آخر للتقدير الدنيوي وليس للآخرة منه أي نصيب ، وقد قال ابن قيم الجوزية كلاما نفيسا يكتب بماء الذهب في استبيان هذا المعنى الكبير حيث قال : " من رغب عن العمل لوجه الله تعالى ابتلاه الله بالعمل لوجوه الخلق ، فرغب عن العمل لمن ضره ونفعه وموته وسعادته بيده ، فابتلي بالعمل لمن لا يملك له شيئا من ذلك " (4).

إن كثيرا من أولئك العاملين الذين تلوثت نياتهم - حتى أصبح همهم إبراز النشاط المادي من أجل طلب الثناء والتقدير - تراهم يتكاسلون عن العمل الخفي ، كحضور الحصص ، وإعداد الدروس ( ولا أعني به الإعداد الكتابي بل الإعداد العلمي الذهني ) و يستنكفون عن بذل النصيحة والإخلاص فيها ، و يفتقدون الصبر من أجل ترسيخ القيم الوجدانية في نفوس طلابهم ، لأن النية ليس فيها لله شيء ، ولذلك فهم لا يشعرون بقيمة أعمالهم ولا بأثرها ، وقد حدثني أحد الإخوة الذين عملوا من أجل إبراز النشاط الشكلي ومن الذين كرموا في إحدى المناسبات على مستوى إدارة التعليم قائلا : " أنني أشعر بأنني لم أعمل شيئا ذا بال بالنسبة للطلاب ؛ إنما هي غرفة حثثت الطلاب على تزيينها باللوحات والكتيبات ذات المواضيع المتنوعة ، وكلفنا ذلك جهد عشرة أيام ، حتى جاء اليوم الموعود الذي يمر فيه مشرف النشاط الزائر من قبل الإدارة ويكتب تقييمه ، وعند ذلك انتهى كل شيء " .

فهنيئا للمربين الصادقين الذين يتفاعلون مع طلابهم على مدار العام ، نصحا وإرشادا ، تربية وتعليما , يحثونهم على القراءة ، ويدلونهم على الكتب , ويكلفونهم بالبحوث النافعة , ويدربونهم على أنواع من المهارات النافعة ، وينفذون عددا من البرامج التي قد لا يهتم بها نشاط المدرسة الشكلي .

إن طريقهم هذا الذي سلكوه ، تعترضه المعوقات ، وتكتنفه الأشواك من كل جانب ، ومع ذلك فهم ثابتون على المبدأ ، رغم فتور البيئة التعليمية من حولهم ، وتهاوي مفاهيمها ، وضياع حقوق بعضهم المعنوية والمادية ، وهم ماضون لا تثنيهم تشويشات الفارغين ، و لا سقطات المثبطين ..... ولعلهم يحبطون في بعض الأحايين ، وقد ينقطعون قليلا ، ولكن ريثما يعودون إلى الساحة بعد أن تستنير قلوبهم بالإخلاص ، وبالمعاني السامية من قول عمر ( ولكن الله يعرفهم ) . أولئك هم المربون والمربيات الذين ثبتوا عند حافة السقوط ، بينما سقط الآخرون .
ــــــــــــــــــــــــــ
(1) تاريخ الطبري مع تصرف يسير ج (2) ص(521)
(2) حول التربية والعليم ، ص ( 348) د .عبد الكريم بكار
(3) سورة البلد أية (4)
(4) مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين ج (1)ص (125 )، لابن القيم

محمد بن على بنان

حمود الطواش
11-05-2008, 12:11 AM
الله يجزاك خير ويرحم والديك

سيف الاسلام
11-05-2008, 12:30 AM
لو عملنا بهذا الحديث:
عن ابي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ : يَا ابْنَ آدَمَ ! تَفَرَّغْ لِعِبَادَتِي أَمْلَأْ صَدْرَكَ غِنًى ، وَأَسُدَّ فَقْرَكَ ، وَإِلاَّ تَفْعَلْ مَلَأْتُ يَدَيْكَ شُغْلاً ، وَلَمْ أَسُدَّ فَقْرَكَ )
رواه الترمذي (2466) وحسنه ابن مفلح في "الآداب الشرعية" (3/262) ، وصححه الشيخ أحمد شاكر في تحقيقه للمسند (16/284) والشيخ الألباني في "السلسلة الصحيحة" (1359) .

لأصبح حالنا افضل مما نحن فيه الان
بارك الله فيك وجزاك الله خيرا

ذرة ضوء
11-05-2008, 10:58 PM
الله يجزاك خير ويرحم والديك
ووالديك اخوى حمود
بارك الله فيك وجزاك الله خير


لو عملنا بهذا الحديث:


عن ابي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ : يَا ابْنَ آدَمَ ! تَفَرَّغْ لِعِبَادَتِي أَمْلَأْ صَدْرَكَ غِنًى ، وَأَسُدَّ فَقْرَكَ ، وَإِلاَّ تَفْعَلْ مَلَأْتُ يَدَيْكَ شُغْلاً ، وَلَمْ أَسُدَّ فَقْرَكَ )
رواه الترمذي (2466) وحسنه ابن مفلح في "الآداب الشرعية" (3/262) ، وصححه الشيخ أحمد شاكر في تحقيقه للمسند (16/284) والشيخ الألباني في "السلسلة الصحيحة" (1359) .

لأصبح حالنا افضل مما نحن فيه الان

بارك الله فيك وجزاك الله خيرا

احسنت خى سيف الاسلام وبارك الله فيك على اضافتك ولكن ارجو ان لا يفهم من قوله عز وجل (( تفرغ لعبادتى )) انها دعوة لترك العمل والركون الى الخمول بدعوى التفرغ للعبادة !!
فالعمل عبادة اذا اخلص العبد النية فية الى الله وكان رضى الله عز وجل هو غايتة ومبتغاة وهذا بالطبع لا يتعارض مع الاجر المادى الذى يحصل علية من وراء هذا العمل ،،
والكاتب جزاة الله خيرا اراد من خلال موضوعة التشديد على اهمية الاخلاص بالعمل وان لا يكون مقدار اخلاصنا بالعمل مرهون بتقدير الآخرين .
وفى اعتقادى ان هذة قيمة مهمه نفتقدها فى عصرنا الحالى على كافة الاصعدة وان كان الكاتب ركز على المربون والمعلمون خاصة الا انى ارها تنطبق على جميع الاعمال والمهن .
بارك الله فيك اخى الحبيب وجزاك الله خير

jemee
11-05-2008, 11:09 PM
جزاكم الله خير

تكنوقراطي
11-05-2008, 11:35 PM
الله يجزاك الجنة يالغالي
قرأت اغلب مواضيعك وهي الاروع بدون ادنى شك
ولا ازكي على الله احد ولكن
القاسم المشترك بين جميع مواضيعك هي انها مواضيع هادفة وقيمة تعود علي القارئ بالنفع
اخي الكريم، والله اني احبك في الله
الله يوفقك

alkhateeb
11-05-2008, 11:57 PM
بارك الله فيك أخي ذرة ضوء على فتح هذا الموضوع البالغ الأهمية - والذي أود التعليق عليه من وجهتين :

الأولى : أنك تطرقت إلى موضوع المعلمين - فهم الرجال المجهولين في مجتمعنا الذين يعملون على صياغة العقول وتربية أبناءنا - ولكننا لا نوفيهم ما يستحقونه من التقدير - حتى لو أنهم كانوا يعملون ويقدمون ويخلصون في عملهم لوجه الله تعالى - فما في ضمائرهم يعلمه الله تعالى - لكن المعلمين لا يكرمون في المجتمع بقدر يتناسب مع أهميتهم فيه - وأقصد بذلك التكريم الأدبي .
فرب وردة من والدة طفلة للمعلمة أو كتاب شكر من ولي أمر للمعلم - يجعل يوم المعلم جميلا من الصباح الباكر وربما يكون محفزا له للعمل والعطاء طوال اليوم وربما طوال الأسبوع - لكننا للأسف لا نعرف إلا أن نستأسد على المعلمين إذا سمعنا شكوى عنهم من أبنائنا - وخصوصا إلى كان موضوع الشكوى عقوبة أوقعها المعلم على الابن .

النقطة الثانية : أنني أريد أن أذكر بالسالفين من أئمتنا الأفاضل غيرهم أمثال ابي حنيفه وابن حنبل وسعيد بن المسيب - وأمثالهم الذين كانت لهم حلقات لتعليم دروس الدين وتفقيه الناس في الأمور الشرعية - والذين عذبوا أشد وأقسى العذاب على يد السلطان لأنهم لم يجاملوا في علمهم ولأنهم أمسكوا على كلمة الحق ولم يخشوا فيها لومة لائم ولا حتى بطش السلطان - فأدعو لهم بالخير وأرجو من الله تعالى أن يتقبل صالح أعمالهم .

أكرر شكري لك على فتح هذا الموضوع البالغ الحساسية والأهمية لارتباطه المباشر بالضمير الحي - وأدعو لك بالخير والصحة والسعادة ووافر الرزق . :)

ذرة ضوء
12-05-2008, 12:25 AM
جزاكم الله خير
حياك الله يا بومشعل وجزاك الله خير
الله يجزاك الجنة يالغالي
قرأت اغلب مواضيعك وهي الاروع بدون ادنى شك
ولا ازكي على الله احد ولكن
القاسم المشترك بين جميع مواضيعك هي انها مواضيع هادفة وقيمة تعود علي القارئ بالنفع
اخي الكريم، والله اني احبك في الله
الله يوفقك
احبك الله الذى احببتنا فية وجمعنا واياك عندة على منابر من نور
جزاك الله خير اخى الحبيب على حسن ظنك باخيك .
بارك الله فيك أخي ذرة ضوء على فتح هذا الموضوع البالغ الأهمية - والذي أود التعليق عليه من وجهتين :

الأولى : أنك تطرقت إلى موضوع المعلمين - فهم الرجال المجهولين في مجتمعنا الذين يعملون على صياغة العقول وتربية أبناءنا - ولكننا لا نوفيهم ما يستحقونه من التقدير - حتى لو أنهم كانوا يعملون ويقدمون ويخلصون في عملهم لوجه الله تعالى - فما في ضمائرهم يعلمه الله تعالى - لكن المعلمين لا يكرمون في المجتمع بقدر يتناسب مع أهميتهم فيه - وأقصد بذلك التكريم الأدبي .
فرب وردة من والدة طفلة للمعلمة أو كتاب شكر من ولي أمر للمعلم - يجعل يوم المعلم جميلا من الصباح الباكر وربما يكون محفزا له للعمل والعطاء طوال اليوم وربما طوال الأسبوع - لكننا للأسف لا نعرف إلا أن نستأسد على المعلمين إذا سمعنا شكوى عنهم من أبنائنا - وخصوصا إلى كان موضوع الشكوى عقوبة أوقعها المعلم على الابن .

النقطة الثانية : أنني أريد أن أذكر بالسالفين من أئمتنا الأفاضل غيرهم أمثال ابي حنيفه وابن حنبل وسعيد بن المسيب - وأمثالهم الذين كانت لهم حلقات لتعليم دروس الدين وتفقيه الناس في الأمور الشرعية - والذين عذبوا أشد وأقسى العذاب على يد السلطان لأنهم لم يجاملوا في علمهم ولأنهم أمسكوا على كلمة الحق ولم يخشوا فيها لومة لائم ولا حتى بطش السلطان - فأدعو لهم بالخير وأرجو من الله تعالى أن يتقبل صالح أعمالهم .

أكرر شكري لك على فتح هذا الموضوع البالغ الحساسية والأهمية لارتباطه المباشر بالضمير الحي - وأدعو لك بالخير والصحة والسعادة ووافر الرزق . :)
سوف ابدأ من دعائك يا الخطيب اللهم آمين ولك بمثلة :)
اما ماذكرتة فى مداخلتك الكريمة عن تقدير المعلمين من الناحية المعنوية فأتفق معك تماما ان هذا الامر للاسف اصبح مفقود او شبة نادر ،،
وانا اقرأ ما ذكرت عن اهداء وردة للمعلم استرجعت امر كنا (وانا حين اقول كنا اقصد ابناء جيلى فى ذلك الوقت ) وليس ذلك الوقت ببعيد:) اذا تفوق احدنا اشترى له اهلة علبة ماكنتوش لكى يوزعها على معلمية وكان المعلم فى الفصل يسمح لنا ان نخرج ونوزع على معلمينا اثناء الحصص فى الفصول الاخرى ولك ان تتخيل الفرحة الكبيرة التى كنا نعيش فيها ونحن نوزع عليهم قطع الحلوى امام زملائنا مزهوين بتفوقنا والفرحة على وجوه معلمينا بهذا التقدير المعنوى .
نعم لا شك اخى الحبيب ان للتقدير المعنوى دور كبير فى شحذ همم المعلم وجعلة يبدع فى عملة .
بارك الله فيك اخى الفاضل وجزاك الله خير