بو يعقوب
14-03-2005, 03:14 AM
المؤمن بين الصحة والمرض
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه, ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا, من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, وأشهد أن محمداً عبده ورسوله (صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً ) .
" يأيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون ", " يأيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولاً سديداً يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزاً عظيماً ".
يقول الرسول صلى الله عليه وسلم (نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس, الصحة والفراغ ), لماذا كان مغبوناً؟! لأنه لم يستفد من صحته وفراغه بما يقربه إلى الله والدار الآخرة.
ولذا أوصى رسول الله صلى الله عليه وسلم باستغلال الصحة والاستفادة منها قبل أن يأتي ضدها, فقال (اغتنم خمساً قبل خمس, ثم ذكر منها: وصحتك قبل سقمك ).. الحديث
هذه الصحة والعافية سوف تسأل عنها يوم القيامة وفي الحديث أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: لن تزولا قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع ثم ذكر منها ( وعن عمره فيما أفناه وعن شبابه فيما أبلاه ... ) الحديث, فاجعل هذه الصحة والعافية عوناً لك على طاعة الله.
إذا أردت أن تعرف قدر الصحة والعافية فأكثر من زيارة المرضى في المنازل والمستشفيات ... ولذلك قيل إن الصحة تاج على رؤوس الأصحاء لا يعرفها إلا المرضى, كم من مريض يتمنى أن يخطوا بقدميه ليصلي الفريضة مع الجماعة, ويصل أرحامه, ويزور إخوانه .. ولكنه لا يستطيع.
كم من مريض انقطع عن الناس فهو لا يسمع ولا ينطق يتمنى سماع القرآن وترتيل آياته, ولكنه لا يستطيع.
كم من مريض كف بصره, فهو يتمنى أن يرى مخلوقات الله وآياته, وكم من مريض يتمنى أن يأكل الطعام ويشرب الشراب ولكنه لا يستطيع, وكم من مريض لا تسكن أوجاعه, ولا يرتاح في منامه ... وغيرهم كثير.
هل نسيت هؤلاء ؟! فاتق الله في صحتك وعافيتك واشكر الله على نعمة القدمين واستخدمها في الذهاب والإياب للمساجد ولكل خير, واشكر الله على نعمة اللسان وأكثر فيه من تلاوة القرآن وتذكر قوله صلى اله عليه وسلم " ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت" واشكر الله على نعمة السمع واحفظه عن سماع الأغاني والموسيقى, واشكر الله على نعمة العينين فلا تنظر بهما إلى النساء في الشاشات أو على صفحات المجلات أو في الأسواق, وتذكر وأنت ترى بأن الله يرى, وقد أمرك بغض بصرك فقال " وقل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم ..." ثم أمر النساء بقوله " وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن ".
هذا هو الشكر الحقيقي لله على نعمة الجوارح مع استخدامها في طاعة الله, تذكر وأنت تجاهد نفسك على شكر الله في جوارحك كلها أن الله يحفظها عليك ويمتعك بها سنوات طويلة, ويوفقك سبحانه وتعالى لاستخدامها فيما يرضيه.
وفي الحديث القدسي أن الرب تبارك وتعالى قال: " ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي عليها, ولئن سألني لأعطينه ولئن استعاذني لأعيذنه " الحديث.
والمعنى أي وفق الله جوارحك لفعل الخيرات ومتعك بها سنوات عديدة. يروى أن أحد الصالحين بلغ من العمر سبعين سنة وكانت جوارحه سليمة, فلما سئل عن ذلك قال: هذه جوارح حفظناها في الصغر على طاعة الله فحفظها الله علينا في الكبر.
اسأل نفسك هل شكرت الله على نعمة الجوارح شكراً حقيقياً, فاستخدمتها في طاعة الله, وكففتها عن معصيته, فالشكر الحقيقي عمل بالجوارح, كما انه إقرار بالقلب ونطق باللسان.
قال تعالى " اعملوا آل داوود شكراً وقليل من عبادي الشكور " وقد قام الرسول صلى الله عليه وسلم يتهجد بالليل حتى تورمت قدماه فقالت له عائشة رضي الله عنها, لم تفعل هذا وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر فقال " أفلا أكون عبداً شكوراً ", فأوصيك أيها الصحيح أن تشكر الله على سلامة هذه الجوارح قبل أن تسلب منك بحادث أو مرض فتكون عقوبة عاجلة على عدم شكر الله.
قال الله تعالى: " وإذ تأذن ربكم لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد ".
أيها الأصحاء:
لا يخفى عليكم ونحن الآن نتمتع بالصحة والعافية إلا أن البعض منا يعاني من بعض الأمراض العضوية الخفيفة كآلام الظهر والقدمين والمفاصل أو مرض في المعدة أو الجهاز التنفسي أو صداع في الرأس أو وجع في العينين أو الأسنان , أو يعاني من بعض الأمراض النفسية كالهم والغم والحزن والقلق بسبب مشاكل الحياة داخل المنزل أو خارجه, مشاكل مع الزوجة أو الأولاد أو الوظيفة أو الكفيل أو عدم الحصول على زوجة أو وظيفة أو عليه ديون لا يستطيع سدادها أو غير ذلك إذاً لا يخلو الكثير منا من شيء من الأمراض العضوية أو النفسية.
أيها الأصحاء والمرضى:
لقد انتشرت الأمراض وكثرت في هذا الزمن, ظهرت الأورام والأمراض المستعصية كالسرطان (الذي يسميه البعض بالمرض الخبيث ) ولا ينبغي تسميته بالمرض الخبيث لأنه من الله, وقد نبه على ذلك بعض العلماء, وانتشر مرض الضغط والسكر والفشل الكلوي والشلل واستئصال بعض الأعضاء الصغيرة أو الكبيرة, وكثرت حوادث السيارات مما نتج عنه الإعاقات من بعض الأعضاء ولقلة الإيمان وكثرة المعاصي فقد كثرت أمراض العين وهو الحسد وأمراض السحر ومس الجان, والأمراض النفسية المتعددة مع أمراض كبر السن والشيخوخة.
مما جعل المستشفيات تكثر وتعددت أنواعها, وتمتلئ بالمرضى بل لا أبالغ إذا قلت إن الكثير من البيوت لا تخلو من مريض, ونحن جميعاً معرضون للمرض بين عشية وضحاها.
تذكروا أن أعمارنا في هذه الدنيا قصيرة كما بين ذلك رسول الله صلى الله عليه فقال: (أعمار أمتي ما بين الستين إلى السبعين وقليل من يتجاوز ذلك ), ولا خير أصلاً في طول العمر إلا إذا كان على طاعة الله.
يقول الرسول صلى الله عليه وسلم ( خيركم من طال عمره وحسن عمله وشركم من طال عمره وساء عمله ), وقد استعاذ عليه الصلاة والسلام أن يرد إلى أرذل العمر.
تذكروا أن الدنيا دار ابتلاء وامتحان, ولهذا فهي مليئة بالمصائب والأكدار والأحزان والأمراض والحوادث.
قال تعالى " ولنبلوكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين".
وقال " لقد خلقنا الإنسان في كبد ". اعلموا أن الجزع لا يفيد بل يضاعف المصيبة ويفوت الأجر ويعرض المصاب للإثم قال علي بن أبي طالب ( إن صبرت جرت عليك المقادير وأنت مأجور, وإن جزعت جرت عليك المقادير وأنت مأزور ).
وقال بعضهم, المصيبة للصابر واحدة وللجازع اثنتان. ولهذا نوصي كل من أصيب بمصيبة في نفسه او والده أو ولده أو زوجته أن يلزم الصبر, فإنه إذا تسلى بالصبر يحصل على حلاوة الإيمان قال تعالى" ما أصاب من مصيبة إلا بإذن الله ومن يؤمن بالله يهد قلبه, والله بكل شيء عليم " يقول علقمة في تفسير هذه الآية : هو الرجل تصيبه المصيبة فيعلم أنها من الله فيرضى ويسلم, فيعوضه الله إيماناً يجد حلاوته في قلبه.
ويحصل على معية الله " إن الله مع الصابرين ". ويحصل على محبة الله " والله يحب الصابرين " ويحصل على الأجر بغير حساب " إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب ". قال الأوزاعي على هذه الآية: " ليس يوزن لهم ولا يكال إنما يغرف لهم غرفاً "
ويحصل أيضاً على ثناء الله له ورحمته وهدايته للصابر كما قال سبحانه وتعالى " وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون, أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون ".
قال بعض السلف:- وقد عزى على مصيبة نالته, مالي لا أصبر وقد وعدني الله على الصبر ثلاث خصال كل خصلة منها خير من الدنيا وما عليها, يعني الخصال المذكورة في هذه الآية , وهي صلاة الله ورحمته وهدايته للصابرين.
ولقد مدح الله نبيه أيوب عليه السلام بقوله " إنا وجدناه صابراً نعم العبد إنه أواب ".
ويروى أنه لما أصيب عروة بين الزبير بالآكلة في رجله وفي نفس اليوم سقط أحد أبنائه فمات .. فقال عليه رحمة الله: اللهم كان لي بنون سبعة فأخذت واحداً وأبقيت ستة وكان لي أطراف أربعة فأخذت طرفاً وأبقيت ثلاثة, ولئن ابتليت فقد عافيت ولئن أخذت لقد أبقيت ثم نظر إلى رجله في الطست بعدما قطعت فقال: إن الله يعلم أني ما مشيت بك إلى معصية قط وأنا أعلم.
ويروى أن الفضيل بن عياض (رحمه الله) كانت له بنت صغيرة فمرض كفها فسألها يوماً: يا بنية كيف حال كفك فقالت يا أبت بخير, والله لئن كان الله تعالى ابتلى مني قليلاً فلقد عافى الله مني كثيراّ, ابتلى كفي وعافى سائر بدني فله الحمد على ذلك.
وعلى المصاب بنفسه أو قريبه أن يردد دائماً قوله عز وجل " إنا لله وإنا إليه راجعون ", ويلزم الصبر حتى يحصل على الثمرات السابقة.
ثم ليقل الحمد لله عند وفاة الولد حتى يبنى له بيتا في الجنة ويسمى بيت الحمد, . ثم ليقل كما قالت أم سلمة عند وفاة زوجها (اللهم أجرني في مصيبتي وأخلف لي خيراً منها ). قالت فما انتهت عدتي إلا وقد آجرني الله في مصيبتي وأخلف الله لي خيراً من أبي سلمة), حيث تزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم ،كل ذلك بسبب الصبر والاستسلام لله والرضاء بقضاءه وقدره, والتزام أمر الله وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم عند المصائب.
وكل الأمور إلى القضاء تنسا به ما قد مضى ولربما ضاق الفضاء لك في عواقبه رضا فلا تكن متعرضاً كن عن همومك معرضاً وأبشر بخير عاجل فلربما اتسع المضيق ولرب أمر متعبٍ الله يفعل ما يشاء
كرامات الصابر على المرض.
(1) أقل الأمراض (الهم , والغم , والحزن ) وهي أمراض نفسية أو شوكة يشاكها المسلم أو ارتفاع في درجة الحرارة فهي:
تكفيراً للسيئات ورفعاً للدرجات وزيادة في الحسنات وسبب خير له كما ورد في الحديث أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال : ( ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب ولا هم ولا حزن ولا أذى ولا غم حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه ) رواه البخاري. وقوله عليه الصلاة والسلام ( عجباً لأمر المؤمن إن أمره كله له خير إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له , وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له, وليس ذلك إلا للمؤمن )وقوله عليه الصلاة والسلام : ( من يرد الله به خيراً يصب منه ) رواه البخاري. وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ما يزال البلاء بالمؤمن والمؤمنة في نفسه وماله وولده حتى يلقى الله تعالى وما عليه خطيئة) رواه الترمذي.
وعلى سبيل المثال فإن من الأمراض التي فيها منافع دينية وصحية:
ارتفاع الحرارة وهي ما تسمى بالملاريا أو بالحمى وخاصة للكبار لأن الأطفال لا يتحملون ارتفاع الحرارة أبداً فقد يصاب الطفل بالإعاقة أو التخلف العقلي, ( دخل النبي صلى الله عليه وسلم على أم السائب فقال: مالك يا أم السائب تزفزفين ؟ فقالت: الحمى لا بارك الله فيها, فقال: لا تسبي الحمى فإنها تذهب خطايا بني آدم كما يذهب الكير خبث الحديد)رواه مسلم. وقال أبن أبي الدنيا كانوا يرجون في حمى ليلة كفارة ما مضى من الذنوب, وعند الإمام أحمد بسند صحيح عن ابن عمرو ( حمى يوم كفارة سنة ) وفي الأدب المفرد للبخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال ( ما من مرض يصيبني أحب إلي من الحمى ) والسبب والله أعلم أن الحمى تدخل في كل الأعضاء والمفاصل.
ومن فوائد الحمى: الصحية: ما ذكره الشيخ عبد الرحمن اليحيى في مطويته – فوائد المرض – فقال: الحمى وهي المعروفة بالملاريا, ففيها منافع للأبدان لا يعلمها إلا الله حيث إنها تذيب بعض الفضلات وتتسبب في إنضاج بعض المواد الفاسدة وإخراجها من البدن, ولا يمكن أن يصل إليها دواء غيرها يقول بعض الفضلاء من الأطباء:
إن كثيراً من الأمراض التي نستبشر فيها الحمى, كما يستبشر المريض بالعافية فتكون الحمى فيه أنفع من شرب الدواء الكثير, فمن الأمراض التي تتسبب الحمى في علاجها مرض الرمد والفالج واللقوة وهو داء يعوج منه الشدق – وزيادة على الصحة فهي من أفضل الأمراض في تكفير الذنوب.
(2) من فوائد المرض: تخويف الله للعبد حتى يرجع إليه ويستقيم على دينه قال تعالى: " وأخذناهم بالعذاب لعلهم يرجعون ". فما ابتلاه الله إلا ليخوفه لعله أن يرجع إلى ربه.
أخرج الإمام أبو داوود في سننه (رحمه الله) عن عامر مرفوعاً إلى الرسول صلى الله عليه وسلم أنه قال ( إن المؤمن إذا أصابه سقم ثم عافاه منه كان كفارةً لما مضى من ذنوبه وموعظة له فيما يستقبل, وإن المنافق إذا مرض ثم أعفي كان كالبعير عقله أهله ثم أرسلوه فلم يدر لم عقلوه ولم أرسلوه).
وهذا مشاهد ومعروف عند بعض الناس إذا ابتلاه الله بحادث أو مرض ثم لزم الفراش, كان هذا المرض سبباً في استقامته ورجوعه إلى الله والتزامه بأوامر الله وتركه لمحارم الله فكان هذا المرض خيراً له وسبباً في صلاح دينه الذي هو رأس ماله وسوف يدخل معه عمله في قبره ويقف به يوم القيامة ويلاقي به ربه, وقد ورد في الحديث القدسي أن الرب تبارك وتعالى قال " وإن من عبادي من لا يصلح له إلى المرض ولو عافيته لأفسدت عليه دينه " أو كما ورد.
( 3 ) من فوائد المرض, محبة الله للمريض:
يقول الرسول صلى الله عليه وسلم ( إن عظم الجزاء مع عظم البلاء وإن الله إذا أحب قوماً ابتلاهم فمن رضي فله الرضا ومن سخط فله السخط ) ولذلك انظر كيف ابتلى الله الأنبياء بالأمراض والمصائب, فيونس عليه السلام في بطن الحوت وأيوب عليه السلام تمزق لحمه من الدود وإبراهيم عليه السلام في النار ... فهؤلاء الأنبياء ابتلاهم الله عز وجل لأنه يحبهم ولقوة إيمانهم, وقد ورد في الحديث أن سعد ابن أبي وقاص سأله أي الناس أشد بلاءً؟ فقال صلى الله عليه وسلم (أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأمثل فالامثل, يبتلى الرجل على حسب دينه فإن كان دينه صلباً اشتد بلاؤه وإن كان في دينه رقة ابتلي على حسب دينه, وما يبرح البلاء بالعبد حتى يتركه يمشي على الأرض ما عليه خطيئة ) رواه الترمذي.
(4) من فوائد المرض استمرار عمله الصالح الذي كان يحرص عليه أيام صحته:
يكتب له الأجر كاملاً, فقد بشر بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث أبي موسى الأشعري ( إذا مرض العبد أو سافر كتب الله تعالى له من الأجر مثل ما كان يعمل مقيماً صحيحاً)رواه البخاري.
(5) من فوائد المرض: قرب الله من المريض:
ففي الحديث القدسي يقول الله:" ابن آدم عبدي فلان مرض فلم تعده, أما لو عدته لوجدتني عنده " رواه مسلم.
(6) من الفوائد زيادة الثواب يوم القيامة:
فعن جابر رضي الله عنهما قال, قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( يود أهل العافية يوم القيامة حين يعطى أهل البلاء الثواب لو أن جلودهم قرضت في الدنيا بالمقارض ) رواه الترمذي.
(7) من الفوائد أن هذا المرض سبب في دخول الجنة ( بإذن الله )
فعن ابن عباس (رضي الله عنهما) أنه قال لأحد أصحابه ألا أريك امرأة من أهل الجنة ؟ قال بلى: قال هذه المرأة السوداء أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت إني أصرع وإني أتكشف فادع الله لي , قال إن شئت صبرت ولك الجنة وإن شئت دعوت لك الله أن يعافيك, فقالت إني أصبر, فقالت إني أتكشف, فادع الله أن لا أتكشف, فدعا لها)رواه البخاري.
بل قد يكون هذا المرض سبباً في الحصول على المرتبة العالية في الجنة وفي الحديث (إن العبد إذا سبقت له من الله منزلة لم يبلغها بعمله ابتلاه الله في جسده أو في ماله أو في ولده ثم صبره على ذلك حتى يبلغه المنزلة التي سبقت له من الله تعالى ) رواه أبو داوود وصححه الألباني, ولهذا قال بعضهم التهنئة بأجل الثواب أولى من التعزية بعاجل المصيبة.
قد ينعم الله بالبلوى وإن عظمت وقد يبتلي الله بعض القوم بالنعم
ولا شك أن كل هذه المصائب والأمراض والحوادث والفقر سوف ينساها المؤمن من أول غمسة في الجنة فعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( يؤتى بأنعم أهل الدنيا من أهل النار فيصبغ في النار صبغة ثم يقال له : ياابن آدم هل رأيت خيراً قط ؟ هل مر بك نعيم قط ؟ فيقول لا ، والله يارب . ويؤتى بأشد الناس بؤساً في الدنيا من أهل الجنة فيصبغ صبغة في الجنة فيقال ياابن هل رأيت بؤساً قط ؟ هل مر بك من شدة قط ؟ فيقول : لا يارب ما مر بي بؤس قط ولا رأيت شدة قط ) رواه مسلم. فهذا الكافر أو المنافق نسي لذات الدنيا كلها ونعيمها وترفها بغمسة واحدة في النار, وهذا المؤمن نسي أمراض الدنيا وبؤسها وفقرها كلها بغمسة واحدة في الجنة.
----------------------------------------------------------------------------
تابــــــــــــــــع
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه, ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا, من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, وأشهد أن محمداً عبده ورسوله (صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً ) .
" يأيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون ", " يأيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولاً سديداً يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزاً عظيماً ".
يقول الرسول صلى الله عليه وسلم (نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس, الصحة والفراغ ), لماذا كان مغبوناً؟! لأنه لم يستفد من صحته وفراغه بما يقربه إلى الله والدار الآخرة.
ولذا أوصى رسول الله صلى الله عليه وسلم باستغلال الصحة والاستفادة منها قبل أن يأتي ضدها, فقال (اغتنم خمساً قبل خمس, ثم ذكر منها: وصحتك قبل سقمك ).. الحديث
هذه الصحة والعافية سوف تسأل عنها يوم القيامة وفي الحديث أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: لن تزولا قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع ثم ذكر منها ( وعن عمره فيما أفناه وعن شبابه فيما أبلاه ... ) الحديث, فاجعل هذه الصحة والعافية عوناً لك على طاعة الله.
إذا أردت أن تعرف قدر الصحة والعافية فأكثر من زيارة المرضى في المنازل والمستشفيات ... ولذلك قيل إن الصحة تاج على رؤوس الأصحاء لا يعرفها إلا المرضى, كم من مريض يتمنى أن يخطوا بقدميه ليصلي الفريضة مع الجماعة, ويصل أرحامه, ويزور إخوانه .. ولكنه لا يستطيع.
كم من مريض انقطع عن الناس فهو لا يسمع ولا ينطق يتمنى سماع القرآن وترتيل آياته, ولكنه لا يستطيع.
كم من مريض كف بصره, فهو يتمنى أن يرى مخلوقات الله وآياته, وكم من مريض يتمنى أن يأكل الطعام ويشرب الشراب ولكنه لا يستطيع, وكم من مريض لا تسكن أوجاعه, ولا يرتاح في منامه ... وغيرهم كثير.
هل نسيت هؤلاء ؟! فاتق الله في صحتك وعافيتك واشكر الله على نعمة القدمين واستخدمها في الذهاب والإياب للمساجد ولكل خير, واشكر الله على نعمة اللسان وأكثر فيه من تلاوة القرآن وتذكر قوله صلى اله عليه وسلم " ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت" واشكر الله على نعمة السمع واحفظه عن سماع الأغاني والموسيقى, واشكر الله على نعمة العينين فلا تنظر بهما إلى النساء في الشاشات أو على صفحات المجلات أو في الأسواق, وتذكر وأنت ترى بأن الله يرى, وقد أمرك بغض بصرك فقال " وقل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم ..." ثم أمر النساء بقوله " وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن ".
هذا هو الشكر الحقيقي لله على نعمة الجوارح مع استخدامها في طاعة الله, تذكر وأنت تجاهد نفسك على شكر الله في جوارحك كلها أن الله يحفظها عليك ويمتعك بها سنوات طويلة, ويوفقك سبحانه وتعالى لاستخدامها فيما يرضيه.
وفي الحديث القدسي أن الرب تبارك وتعالى قال: " ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي عليها, ولئن سألني لأعطينه ولئن استعاذني لأعيذنه " الحديث.
والمعنى أي وفق الله جوارحك لفعل الخيرات ومتعك بها سنوات عديدة. يروى أن أحد الصالحين بلغ من العمر سبعين سنة وكانت جوارحه سليمة, فلما سئل عن ذلك قال: هذه جوارح حفظناها في الصغر على طاعة الله فحفظها الله علينا في الكبر.
اسأل نفسك هل شكرت الله على نعمة الجوارح شكراً حقيقياً, فاستخدمتها في طاعة الله, وكففتها عن معصيته, فالشكر الحقيقي عمل بالجوارح, كما انه إقرار بالقلب ونطق باللسان.
قال تعالى " اعملوا آل داوود شكراً وقليل من عبادي الشكور " وقد قام الرسول صلى الله عليه وسلم يتهجد بالليل حتى تورمت قدماه فقالت له عائشة رضي الله عنها, لم تفعل هذا وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر فقال " أفلا أكون عبداً شكوراً ", فأوصيك أيها الصحيح أن تشكر الله على سلامة هذه الجوارح قبل أن تسلب منك بحادث أو مرض فتكون عقوبة عاجلة على عدم شكر الله.
قال الله تعالى: " وإذ تأذن ربكم لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد ".
أيها الأصحاء:
لا يخفى عليكم ونحن الآن نتمتع بالصحة والعافية إلا أن البعض منا يعاني من بعض الأمراض العضوية الخفيفة كآلام الظهر والقدمين والمفاصل أو مرض في المعدة أو الجهاز التنفسي أو صداع في الرأس أو وجع في العينين أو الأسنان , أو يعاني من بعض الأمراض النفسية كالهم والغم والحزن والقلق بسبب مشاكل الحياة داخل المنزل أو خارجه, مشاكل مع الزوجة أو الأولاد أو الوظيفة أو الكفيل أو عدم الحصول على زوجة أو وظيفة أو عليه ديون لا يستطيع سدادها أو غير ذلك إذاً لا يخلو الكثير منا من شيء من الأمراض العضوية أو النفسية.
أيها الأصحاء والمرضى:
لقد انتشرت الأمراض وكثرت في هذا الزمن, ظهرت الأورام والأمراض المستعصية كالسرطان (الذي يسميه البعض بالمرض الخبيث ) ولا ينبغي تسميته بالمرض الخبيث لأنه من الله, وقد نبه على ذلك بعض العلماء, وانتشر مرض الضغط والسكر والفشل الكلوي والشلل واستئصال بعض الأعضاء الصغيرة أو الكبيرة, وكثرت حوادث السيارات مما نتج عنه الإعاقات من بعض الأعضاء ولقلة الإيمان وكثرة المعاصي فقد كثرت أمراض العين وهو الحسد وأمراض السحر ومس الجان, والأمراض النفسية المتعددة مع أمراض كبر السن والشيخوخة.
مما جعل المستشفيات تكثر وتعددت أنواعها, وتمتلئ بالمرضى بل لا أبالغ إذا قلت إن الكثير من البيوت لا تخلو من مريض, ونحن جميعاً معرضون للمرض بين عشية وضحاها.
تذكروا أن أعمارنا في هذه الدنيا قصيرة كما بين ذلك رسول الله صلى الله عليه فقال: (أعمار أمتي ما بين الستين إلى السبعين وقليل من يتجاوز ذلك ), ولا خير أصلاً في طول العمر إلا إذا كان على طاعة الله.
يقول الرسول صلى الله عليه وسلم ( خيركم من طال عمره وحسن عمله وشركم من طال عمره وساء عمله ), وقد استعاذ عليه الصلاة والسلام أن يرد إلى أرذل العمر.
تذكروا أن الدنيا دار ابتلاء وامتحان, ولهذا فهي مليئة بالمصائب والأكدار والأحزان والأمراض والحوادث.
قال تعالى " ولنبلوكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين".
وقال " لقد خلقنا الإنسان في كبد ". اعلموا أن الجزع لا يفيد بل يضاعف المصيبة ويفوت الأجر ويعرض المصاب للإثم قال علي بن أبي طالب ( إن صبرت جرت عليك المقادير وأنت مأجور, وإن جزعت جرت عليك المقادير وأنت مأزور ).
وقال بعضهم, المصيبة للصابر واحدة وللجازع اثنتان. ولهذا نوصي كل من أصيب بمصيبة في نفسه او والده أو ولده أو زوجته أن يلزم الصبر, فإنه إذا تسلى بالصبر يحصل على حلاوة الإيمان قال تعالى" ما أصاب من مصيبة إلا بإذن الله ومن يؤمن بالله يهد قلبه, والله بكل شيء عليم " يقول علقمة في تفسير هذه الآية : هو الرجل تصيبه المصيبة فيعلم أنها من الله فيرضى ويسلم, فيعوضه الله إيماناً يجد حلاوته في قلبه.
ويحصل على معية الله " إن الله مع الصابرين ". ويحصل على محبة الله " والله يحب الصابرين " ويحصل على الأجر بغير حساب " إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب ". قال الأوزاعي على هذه الآية: " ليس يوزن لهم ولا يكال إنما يغرف لهم غرفاً "
ويحصل أيضاً على ثناء الله له ورحمته وهدايته للصابر كما قال سبحانه وتعالى " وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون, أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون ".
قال بعض السلف:- وقد عزى على مصيبة نالته, مالي لا أصبر وقد وعدني الله على الصبر ثلاث خصال كل خصلة منها خير من الدنيا وما عليها, يعني الخصال المذكورة في هذه الآية , وهي صلاة الله ورحمته وهدايته للصابرين.
ولقد مدح الله نبيه أيوب عليه السلام بقوله " إنا وجدناه صابراً نعم العبد إنه أواب ".
ويروى أنه لما أصيب عروة بين الزبير بالآكلة في رجله وفي نفس اليوم سقط أحد أبنائه فمات .. فقال عليه رحمة الله: اللهم كان لي بنون سبعة فأخذت واحداً وأبقيت ستة وكان لي أطراف أربعة فأخذت طرفاً وأبقيت ثلاثة, ولئن ابتليت فقد عافيت ولئن أخذت لقد أبقيت ثم نظر إلى رجله في الطست بعدما قطعت فقال: إن الله يعلم أني ما مشيت بك إلى معصية قط وأنا أعلم.
ويروى أن الفضيل بن عياض (رحمه الله) كانت له بنت صغيرة فمرض كفها فسألها يوماً: يا بنية كيف حال كفك فقالت يا أبت بخير, والله لئن كان الله تعالى ابتلى مني قليلاً فلقد عافى الله مني كثيراّ, ابتلى كفي وعافى سائر بدني فله الحمد على ذلك.
وعلى المصاب بنفسه أو قريبه أن يردد دائماً قوله عز وجل " إنا لله وإنا إليه راجعون ", ويلزم الصبر حتى يحصل على الثمرات السابقة.
ثم ليقل الحمد لله عند وفاة الولد حتى يبنى له بيتا في الجنة ويسمى بيت الحمد, . ثم ليقل كما قالت أم سلمة عند وفاة زوجها (اللهم أجرني في مصيبتي وأخلف لي خيراً منها ). قالت فما انتهت عدتي إلا وقد آجرني الله في مصيبتي وأخلف الله لي خيراً من أبي سلمة), حيث تزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم ،كل ذلك بسبب الصبر والاستسلام لله والرضاء بقضاءه وقدره, والتزام أمر الله وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم عند المصائب.
وكل الأمور إلى القضاء تنسا به ما قد مضى ولربما ضاق الفضاء لك في عواقبه رضا فلا تكن متعرضاً كن عن همومك معرضاً وأبشر بخير عاجل فلربما اتسع المضيق ولرب أمر متعبٍ الله يفعل ما يشاء
كرامات الصابر على المرض.
(1) أقل الأمراض (الهم , والغم , والحزن ) وهي أمراض نفسية أو شوكة يشاكها المسلم أو ارتفاع في درجة الحرارة فهي:
تكفيراً للسيئات ورفعاً للدرجات وزيادة في الحسنات وسبب خير له كما ورد في الحديث أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال : ( ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب ولا هم ولا حزن ولا أذى ولا غم حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه ) رواه البخاري. وقوله عليه الصلاة والسلام ( عجباً لأمر المؤمن إن أمره كله له خير إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له , وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له, وليس ذلك إلا للمؤمن )وقوله عليه الصلاة والسلام : ( من يرد الله به خيراً يصب منه ) رواه البخاري. وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ما يزال البلاء بالمؤمن والمؤمنة في نفسه وماله وولده حتى يلقى الله تعالى وما عليه خطيئة) رواه الترمذي.
وعلى سبيل المثال فإن من الأمراض التي فيها منافع دينية وصحية:
ارتفاع الحرارة وهي ما تسمى بالملاريا أو بالحمى وخاصة للكبار لأن الأطفال لا يتحملون ارتفاع الحرارة أبداً فقد يصاب الطفل بالإعاقة أو التخلف العقلي, ( دخل النبي صلى الله عليه وسلم على أم السائب فقال: مالك يا أم السائب تزفزفين ؟ فقالت: الحمى لا بارك الله فيها, فقال: لا تسبي الحمى فإنها تذهب خطايا بني آدم كما يذهب الكير خبث الحديد)رواه مسلم. وقال أبن أبي الدنيا كانوا يرجون في حمى ليلة كفارة ما مضى من الذنوب, وعند الإمام أحمد بسند صحيح عن ابن عمرو ( حمى يوم كفارة سنة ) وفي الأدب المفرد للبخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال ( ما من مرض يصيبني أحب إلي من الحمى ) والسبب والله أعلم أن الحمى تدخل في كل الأعضاء والمفاصل.
ومن فوائد الحمى: الصحية: ما ذكره الشيخ عبد الرحمن اليحيى في مطويته – فوائد المرض – فقال: الحمى وهي المعروفة بالملاريا, ففيها منافع للأبدان لا يعلمها إلا الله حيث إنها تذيب بعض الفضلات وتتسبب في إنضاج بعض المواد الفاسدة وإخراجها من البدن, ولا يمكن أن يصل إليها دواء غيرها يقول بعض الفضلاء من الأطباء:
إن كثيراً من الأمراض التي نستبشر فيها الحمى, كما يستبشر المريض بالعافية فتكون الحمى فيه أنفع من شرب الدواء الكثير, فمن الأمراض التي تتسبب الحمى في علاجها مرض الرمد والفالج واللقوة وهو داء يعوج منه الشدق – وزيادة على الصحة فهي من أفضل الأمراض في تكفير الذنوب.
(2) من فوائد المرض: تخويف الله للعبد حتى يرجع إليه ويستقيم على دينه قال تعالى: " وأخذناهم بالعذاب لعلهم يرجعون ". فما ابتلاه الله إلا ليخوفه لعله أن يرجع إلى ربه.
أخرج الإمام أبو داوود في سننه (رحمه الله) عن عامر مرفوعاً إلى الرسول صلى الله عليه وسلم أنه قال ( إن المؤمن إذا أصابه سقم ثم عافاه منه كان كفارةً لما مضى من ذنوبه وموعظة له فيما يستقبل, وإن المنافق إذا مرض ثم أعفي كان كالبعير عقله أهله ثم أرسلوه فلم يدر لم عقلوه ولم أرسلوه).
وهذا مشاهد ومعروف عند بعض الناس إذا ابتلاه الله بحادث أو مرض ثم لزم الفراش, كان هذا المرض سبباً في استقامته ورجوعه إلى الله والتزامه بأوامر الله وتركه لمحارم الله فكان هذا المرض خيراً له وسبباً في صلاح دينه الذي هو رأس ماله وسوف يدخل معه عمله في قبره ويقف به يوم القيامة ويلاقي به ربه, وقد ورد في الحديث القدسي أن الرب تبارك وتعالى قال " وإن من عبادي من لا يصلح له إلى المرض ولو عافيته لأفسدت عليه دينه " أو كما ورد.
( 3 ) من فوائد المرض, محبة الله للمريض:
يقول الرسول صلى الله عليه وسلم ( إن عظم الجزاء مع عظم البلاء وإن الله إذا أحب قوماً ابتلاهم فمن رضي فله الرضا ومن سخط فله السخط ) ولذلك انظر كيف ابتلى الله الأنبياء بالأمراض والمصائب, فيونس عليه السلام في بطن الحوت وأيوب عليه السلام تمزق لحمه من الدود وإبراهيم عليه السلام في النار ... فهؤلاء الأنبياء ابتلاهم الله عز وجل لأنه يحبهم ولقوة إيمانهم, وقد ورد في الحديث أن سعد ابن أبي وقاص سأله أي الناس أشد بلاءً؟ فقال صلى الله عليه وسلم (أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأمثل فالامثل, يبتلى الرجل على حسب دينه فإن كان دينه صلباً اشتد بلاؤه وإن كان في دينه رقة ابتلي على حسب دينه, وما يبرح البلاء بالعبد حتى يتركه يمشي على الأرض ما عليه خطيئة ) رواه الترمذي.
(4) من فوائد المرض استمرار عمله الصالح الذي كان يحرص عليه أيام صحته:
يكتب له الأجر كاملاً, فقد بشر بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث أبي موسى الأشعري ( إذا مرض العبد أو سافر كتب الله تعالى له من الأجر مثل ما كان يعمل مقيماً صحيحاً)رواه البخاري.
(5) من فوائد المرض: قرب الله من المريض:
ففي الحديث القدسي يقول الله:" ابن آدم عبدي فلان مرض فلم تعده, أما لو عدته لوجدتني عنده " رواه مسلم.
(6) من الفوائد زيادة الثواب يوم القيامة:
فعن جابر رضي الله عنهما قال, قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( يود أهل العافية يوم القيامة حين يعطى أهل البلاء الثواب لو أن جلودهم قرضت في الدنيا بالمقارض ) رواه الترمذي.
(7) من الفوائد أن هذا المرض سبب في دخول الجنة ( بإذن الله )
فعن ابن عباس (رضي الله عنهما) أنه قال لأحد أصحابه ألا أريك امرأة من أهل الجنة ؟ قال بلى: قال هذه المرأة السوداء أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت إني أصرع وإني أتكشف فادع الله لي , قال إن شئت صبرت ولك الجنة وإن شئت دعوت لك الله أن يعافيك, فقالت إني أصبر, فقالت إني أتكشف, فادع الله أن لا أتكشف, فدعا لها)رواه البخاري.
بل قد يكون هذا المرض سبباً في الحصول على المرتبة العالية في الجنة وفي الحديث (إن العبد إذا سبقت له من الله منزلة لم يبلغها بعمله ابتلاه الله في جسده أو في ماله أو في ولده ثم صبره على ذلك حتى يبلغه المنزلة التي سبقت له من الله تعالى ) رواه أبو داوود وصححه الألباني, ولهذا قال بعضهم التهنئة بأجل الثواب أولى من التعزية بعاجل المصيبة.
قد ينعم الله بالبلوى وإن عظمت وقد يبتلي الله بعض القوم بالنعم
ولا شك أن كل هذه المصائب والأمراض والحوادث والفقر سوف ينساها المؤمن من أول غمسة في الجنة فعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( يؤتى بأنعم أهل الدنيا من أهل النار فيصبغ في النار صبغة ثم يقال له : ياابن آدم هل رأيت خيراً قط ؟ هل مر بك نعيم قط ؟ فيقول لا ، والله يارب . ويؤتى بأشد الناس بؤساً في الدنيا من أهل الجنة فيصبغ صبغة في الجنة فيقال ياابن هل رأيت بؤساً قط ؟ هل مر بك من شدة قط ؟ فيقول : لا يارب ما مر بي بؤس قط ولا رأيت شدة قط ) رواه مسلم. فهذا الكافر أو المنافق نسي لذات الدنيا كلها ونعيمها وترفها بغمسة واحدة في النار, وهذا المؤمن نسي أمراض الدنيا وبؤسها وفقرها كلها بغمسة واحدة في الجنة.
----------------------------------------------------------------------------
تابــــــــــــــــع