nabeels8
16-02-2007, 08:56 PM
من خلال رسالة الحكومة التي بعثت بها إلى رئيس مجلس الأمة في شأن وجود مخالفات دستورية في استجواب وزير الصحة، والتسريب للصحف عن عزم الحكومة إحالة الاستجواب إلى المحكمة الدستورية، تسعى الحكومة "للمساومة" مع المجلس، وغاية مناها من هذه المساومة أن "يتخوف" المجلس من الإحالة إلى المحكمة الدستورية ومن ثم يقبل بإحالة الاستجواب إلى اللجنة التشريعية أو يشكل لجنة تحقيق برلمانية، كحل وسط، حيث يترتب على الإحالة إلى اللجنة أو تشكيل لجنة التحقيق، تأجيل مناقشة الاستجواب لحين ورود تقرير اللجنة. وخلال فترة إعداد اللجنة تقريرها يكسب الوزير "وقتا إضافيا" ربما يساعده في الخروج من المأزق بشكل أو بآخر. والحكومة تعلم أن إحالة الاستجواب إلى المحكمة الدستورية لن تؤدي إلى تأجيل المناقشة، وبالتالي لا جدوى "سياسية" من تلك الإحالة إلا في إطار "التهديد والمساومة"، بينما الإحالة إلى اللجنة التشريعية هي الأجدى سياسيا بالنسبة لها!
من الواضح أن وزير الصحة والحكومة يسعيان إلى عدم مناقشة الاستجواب المقدم إلى الوزير، وأن القصة ليست قصة مخالفات دستورية في الاستجواب. وفي ظني أن لدى الوزير المعني "مشكلة" في مواجهة الاستجواب وفي الدفاع عن نفسه، وهي مشكلة قد لا تكون نابعة من قوة محاور الاستجواب بقدر ما تتعلق بقدرات الوزير ذاته في الوقوف على منصة الاستجواب ومواجهة النواب الثلاثة. ولا أتصور أن وزير الصحة قادر على الرد على "مرافعة" النائب أحمد الشحومي على سبيل المثال. وأغلب الظن أن الوزير، فيما لو تمت مناقشة الاستجواب، سوف يرتبك كثيرا وربما يقوده ارتباكه إلى "التلطيش" هنا وهناك على نحو يستفز بقية النواب الذين لا يجدون مفرا سوى التقدم بطلب طرح موضوع الثقة في الوزير.
إن تعامل الحكومات الكويتية المتعاقبة مع الاستجوابات، المخالفة للدستور أو المتفقة مع أحكامه، يكشف عن أوراق كثيرة، ولعل أهمها ورقة "ضعف الوزراء" وعدم قدرتهم على تحمل أعباء المنصب الوزاري بل والمسؤولية العامة، وفقدانهم القدرة الذاتية التي تؤهلهم للدفاع عن أنفسهم وسياساتهم وقراراتهم، وغاية ما يجيدون هو قص الأشرطة و"مجابل" الكاميرات وتوزيع الابتسامات وإلقاء النكات لإضحاك الشيوخ، هذا إن كان من بينهم من يتمتع بخفة الدم!
إن هذا "الضعف المزمن" في الوزراء مكلف للنظام حيث يضطر للدفاع عنهم واستهلاك مكانته وهيبته في سبيل "إنقاذهم". صحيح أن النظام لا يبذل هذا الجهد لصالح كل الوزراء، وصحيح أن النظام "يتلاعب" بالوزراء أحيانا من خلال تقديمهم "قرابين" لمجلس الأمة، إلا أن ما أود قوله هو أن تكلفة الدفاع عن الوزراء عالية جدا خاصة وزراء الأسرة الحاكمة الذين لا تسعفهم "شيختهم" في الوقوف على منصة الاستجواب، أي أنه حين "يتوهق الشيخ" ترتفع التكلفة على النظام!
إن النظام يحتاج وزراء يدافعون عنه وعن سياسات الحكومة لا وزراء "يبتلش" فيهم ويضطر للدفاع عنهم! وبعبارة أخرى أن النظام يأتي بوزراء "ضعوف" ثم يحتار في كيفية "تلزيقهم" بكراسيهم، وتأتي الحكومة "لتخبص" الدنيا أو "تشق الجيس" وكأن المطلوب حمايته نابغة من نوابغ السياسة، وبعد أن "يتشلخ" الوزير تأتي الحكومة وتقول "الاستجواب حق دستوري!!
على أي حال، فإن "تهديد" الحكومة باللجوء إلى المحكمة الدستورية لمعالجة استجواب وزير الصحة يحتاج إلى مناقشة صريحة. كما أن موقف وتوجهات المحكمة الدستورية تحتاج أيضا إلى مناقشة أخرى.
أقول أنه من غير الملائم أن "تهدد" الحكومة بإحالة أي موضوع إلى المحكمة الدستورية، فهذا "التهديد" يوحي للمتلقي أن الحكومة "ضامنة" صدور القرار التفسيري لصالحها وهذا أمر يضر بهيبة ومكانة القضاء الدستوري الذي يفترض أن يجسد استقلالية السلطة القضائية بأبهى صورها.
وأنا أعتقد أن المحكمة الدستورية، ومن خلال المرونة الشديدة التي تعاملت بها في قبول طلبات التفسير، وفي تفسير النصوص الدستورية بشكل عام ونصوص الدستور المنظمة للرقابة البرلمانية بشكل خاص، وقبولها إخضاع الرقابة البرلمانية بشكل خاص، لرقابتها دون سند من الدستور أو القانون، خلقت الانطباع بأنها تميل سياسيا لوجهة نظر الحكومة. بل وكما قال المرحوم الدكتور عثمان عبدالملك الصالح إن "التساهل في شروط قبول طلب تفسير النصوص الدستورية من قبل إحدى السلطات يفتح الباب واسعا أمام محاولات الخروج على الدستور وإفراغه من فحواه ومضمونه تحت ستار تفسيره، وعلى الأخص في بيئة لم يستقر فيها المبدأ الديمقراطي بعد استقرارا كافيا في النفوس والضمائر والأذهان وتكون القوة السياسية فيها أقوى بكثير من الأطر القانونية التي تعمل في ظلها". كما أن تساهل المحكمة في اشتراط وجود خلاف حقيقي بين مجلس الأمة والحكومة لقبول طلب التفسير "يؤدي إلى جعل وظيفتها في هذا الخصوص أدنى إلى الإفتاء النظري وإصدار آراء استشارية".
بيد أن ما يريح العقل والضمير أن المحكمة الدستورية بتشكيلها الجديد أصدرت قرارا تفسيريا مهما وهو القرار المتصل بتفسير المادة 100 المتعلقة بالاستجوابات، وهذا القرار وضع حدا لمحاولات الحكومة استدراج المحكمة الدستورية للفصل في المنازعات السياسية، حيث امتنعت المحكمة عن الخوض في تفاصيل الاستجواب واكتفت بالتفسير المجرد للنص دون محاولة تطبيق التفسير على الاستجواب الذي استدعى تقديم طلب التفسير. وما نأمله من المحكمة الدستورية هذه المرة فيما لو أحيل إليها استجواب وزير الصحة الحالي من بوابة تفسير النص الدستوري، أن تتشدد في قبول الطلب وأن تقرر عدم قبوله حيث أنها سبق أن فسرت المادة الدستورية المتعلقة بالاستجوابات، وليس من بين اختصاصات المحكمة الدستورية أن "تحكم" على كل استجواب. وأنا إذ أقول هذا فإنني أدرك أن هناك حاجة ماسة لكبح جماح مجلس الأمة ومنع انحرافه في استعمال أدوات الرقابة على أعمال الحكومة وخرقه نصوص الدستور، بيد أننا نحتاج إلى إطار دستوري تتقرر بموجبه رقابة قضائية على الرقابة البرلمانية، ولا يجوز استخدام طلبات تفسير النصوص الدستورية من قبل المحكمة الدستورية استخدام سياسي يسيء إلى المحكمة ذاتها ويهدر الدستور بحجة حمايته. ولقد قمت ببحث علمي مطول لهذه المسألة في رسالة ماجستير، سأنشرها بعد مناقشتها والموافقة عليها بإذن الله.
16/2/2007
من الواضح أن وزير الصحة والحكومة يسعيان إلى عدم مناقشة الاستجواب المقدم إلى الوزير، وأن القصة ليست قصة مخالفات دستورية في الاستجواب. وفي ظني أن لدى الوزير المعني "مشكلة" في مواجهة الاستجواب وفي الدفاع عن نفسه، وهي مشكلة قد لا تكون نابعة من قوة محاور الاستجواب بقدر ما تتعلق بقدرات الوزير ذاته في الوقوف على منصة الاستجواب ومواجهة النواب الثلاثة. ولا أتصور أن وزير الصحة قادر على الرد على "مرافعة" النائب أحمد الشحومي على سبيل المثال. وأغلب الظن أن الوزير، فيما لو تمت مناقشة الاستجواب، سوف يرتبك كثيرا وربما يقوده ارتباكه إلى "التلطيش" هنا وهناك على نحو يستفز بقية النواب الذين لا يجدون مفرا سوى التقدم بطلب طرح موضوع الثقة في الوزير.
إن تعامل الحكومات الكويتية المتعاقبة مع الاستجوابات، المخالفة للدستور أو المتفقة مع أحكامه، يكشف عن أوراق كثيرة، ولعل أهمها ورقة "ضعف الوزراء" وعدم قدرتهم على تحمل أعباء المنصب الوزاري بل والمسؤولية العامة، وفقدانهم القدرة الذاتية التي تؤهلهم للدفاع عن أنفسهم وسياساتهم وقراراتهم، وغاية ما يجيدون هو قص الأشرطة و"مجابل" الكاميرات وتوزيع الابتسامات وإلقاء النكات لإضحاك الشيوخ، هذا إن كان من بينهم من يتمتع بخفة الدم!
إن هذا "الضعف المزمن" في الوزراء مكلف للنظام حيث يضطر للدفاع عنهم واستهلاك مكانته وهيبته في سبيل "إنقاذهم". صحيح أن النظام لا يبذل هذا الجهد لصالح كل الوزراء، وصحيح أن النظام "يتلاعب" بالوزراء أحيانا من خلال تقديمهم "قرابين" لمجلس الأمة، إلا أن ما أود قوله هو أن تكلفة الدفاع عن الوزراء عالية جدا خاصة وزراء الأسرة الحاكمة الذين لا تسعفهم "شيختهم" في الوقوف على منصة الاستجواب، أي أنه حين "يتوهق الشيخ" ترتفع التكلفة على النظام!
إن النظام يحتاج وزراء يدافعون عنه وعن سياسات الحكومة لا وزراء "يبتلش" فيهم ويضطر للدفاع عنهم! وبعبارة أخرى أن النظام يأتي بوزراء "ضعوف" ثم يحتار في كيفية "تلزيقهم" بكراسيهم، وتأتي الحكومة "لتخبص" الدنيا أو "تشق الجيس" وكأن المطلوب حمايته نابغة من نوابغ السياسة، وبعد أن "يتشلخ" الوزير تأتي الحكومة وتقول "الاستجواب حق دستوري!!
على أي حال، فإن "تهديد" الحكومة باللجوء إلى المحكمة الدستورية لمعالجة استجواب وزير الصحة يحتاج إلى مناقشة صريحة. كما أن موقف وتوجهات المحكمة الدستورية تحتاج أيضا إلى مناقشة أخرى.
أقول أنه من غير الملائم أن "تهدد" الحكومة بإحالة أي موضوع إلى المحكمة الدستورية، فهذا "التهديد" يوحي للمتلقي أن الحكومة "ضامنة" صدور القرار التفسيري لصالحها وهذا أمر يضر بهيبة ومكانة القضاء الدستوري الذي يفترض أن يجسد استقلالية السلطة القضائية بأبهى صورها.
وأنا أعتقد أن المحكمة الدستورية، ومن خلال المرونة الشديدة التي تعاملت بها في قبول طلبات التفسير، وفي تفسير النصوص الدستورية بشكل عام ونصوص الدستور المنظمة للرقابة البرلمانية بشكل خاص، وقبولها إخضاع الرقابة البرلمانية بشكل خاص، لرقابتها دون سند من الدستور أو القانون، خلقت الانطباع بأنها تميل سياسيا لوجهة نظر الحكومة. بل وكما قال المرحوم الدكتور عثمان عبدالملك الصالح إن "التساهل في شروط قبول طلب تفسير النصوص الدستورية من قبل إحدى السلطات يفتح الباب واسعا أمام محاولات الخروج على الدستور وإفراغه من فحواه ومضمونه تحت ستار تفسيره، وعلى الأخص في بيئة لم يستقر فيها المبدأ الديمقراطي بعد استقرارا كافيا في النفوس والضمائر والأذهان وتكون القوة السياسية فيها أقوى بكثير من الأطر القانونية التي تعمل في ظلها". كما أن تساهل المحكمة في اشتراط وجود خلاف حقيقي بين مجلس الأمة والحكومة لقبول طلب التفسير "يؤدي إلى جعل وظيفتها في هذا الخصوص أدنى إلى الإفتاء النظري وإصدار آراء استشارية".
بيد أن ما يريح العقل والضمير أن المحكمة الدستورية بتشكيلها الجديد أصدرت قرارا تفسيريا مهما وهو القرار المتصل بتفسير المادة 100 المتعلقة بالاستجوابات، وهذا القرار وضع حدا لمحاولات الحكومة استدراج المحكمة الدستورية للفصل في المنازعات السياسية، حيث امتنعت المحكمة عن الخوض في تفاصيل الاستجواب واكتفت بالتفسير المجرد للنص دون محاولة تطبيق التفسير على الاستجواب الذي استدعى تقديم طلب التفسير. وما نأمله من المحكمة الدستورية هذه المرة فيما لو أحيل إليها استجواب وزير الصحة الحالي من بوابة تفسير النص الدستوري، أن تتشدد في قبول الطلب وأن تقرر عدم قبوله حيث أنها سبق أن فسرت المادة الدستورية المتعلقة بالاستجوابات، وليس من بين اختصاصات المحكمة الدستورية أن "تحكم" على كل استجواب. وأنا إذ أقول هذا فإنني أدرك أن هناك حاجة ماسة لكبح جماح مجلس الأمة ومنع انحرافه في استعمال أدوات الرقابة على أعمال الحكومة وخرقه نصوص الدستور، بيد أننا نحتاج إلى إطار دستوري تتقرر بموجبه رقابة قضائية على الرقابة البرلمانية، ولا يجوز استخدام طلبات تفسير النصوص الدستورية من قبل المحكمة الدستورية استخدام سياسي يسيء إلى المحكمة ذاتها ويهدر الدستور بحجة حمايته. ولقد قمت ببحث علمي مطول لهذه المسألة في رسالة ماجستير، سأنشرها بعد مناقشتها والموافقة عليها بإذن الله.
16/2/2007